صرخة قمر
حنين ابو سباع
من قبل أن تصبح نطفة، يسبقها ويولد ظلمها قبلها، من الأهل والناس والمجتمع من حولها، من هي؟ هي
إنسان نكرة كتب الماضي حاضرها وشبح الحاضر يتربص بها ليحطمها. انتظرت طيور المستقبل لتحررها
من التقاليد البالية التي أوصلتها درجة اليأس. فاض بها الكأس، أتعبتها الظروف، والهموم قيدتها.
كسرت
القيد وقالت "الصعاب خلقت لي.. أنا من يصارع الموج ويواجه غدر الزمان".
هي قمر...
فتاة قطعت على نفسها عهدا ان تحطم المستحيل بكل خلق طيب وذكر جميل، وقررت أن تثبت للمجتمع انه لا
يوجد فرقا بين البنت والولد، بين الذكر والأنثى، فاختارت عملا احترفه الرجال، ولم يسبق لامرأة ان عملت به
من قبل، بدأت أول العقبات بالتقاليد والأعراف المجتمعية، ثم العائلة.
قطار الوقت السريع كاد يداهمها
وهو يجر في أطرافه الألم والأوجاع. لكنها وبالرغم من ذلك بدأت أولى خطوات مشوار الألف ميل،
وأصرت على التحدي والتصدي لجميع الظروف القاسية واستمرت، خرجت من قيود البيت ومشاكله، نما
جناحيها، كبرا، طارت، حلقت في سماء الدنيا بحرية، قررت خطوتها الثانية، استعدت لتكسر أشواك الحياة
وأحزانها.
قالت: العمل شرف عظيم وكبير، سأتحدى الصعاب لأبرهن للجميع ان من الضعف تخلق
القوة والإرادة، ومن لا شيء نصنع كل شيء.
اجتهدت في عملها، وبثقة كبيرة وعزيمة صرخت: "نعم
انا امرأة ولست رجلا نعم يمكنني ذلك، فانا امرأة وزوجة وابنة. انا نصف المجتمع، أنجب وأرعى نصفه
الآخر.. أنا أم الجميع". فكرت كثيرا، وراجعت حساباتها، ازدادت قوة وقررت انها ستصمد ولو سرق
الزمن عمرها. خاطبته: لماذا أنت ولست انا ؟ لماذا الذكر وليس الأنثى؟ لماذا الرجل وليس المرأة؟ ما
الفرق بيننا؟ ما من احد أفضل من الآخر، الا بالإرادة والعزيمة.
صمتت ثم أطلقت العنان لخيالها في الفضاء
الرحب وقالت في نفسها: اريد شيئا واحدا فقط: أريد العدل بيننا! هكذا أطلقت صرختها. تلك هي
قمر... باسمها الناعم وعزيمتها القوية وإراداتها الصلبة كالصخر. ألبست حياتها وشاحا ابيضا بدلا
من السواد، زينته بالإرادة والكرامة وقالت: سأكون حية الروح والجسد، فميت الروح لا تلزمه الحياة.
