نور عياديه (16 سنه)
لم تعلم أن الحياة سعيدة لمن يريدها، أو أن الأمل والتفاؤل ضروريان للبقاء. لم يكن يخطر في بالها أن هناك نور يقبع خلف هذه الجدران المعتمة... كانت مبتلة الرموش دائماَ، لم تعرف أن لكل وجهِ عابس لحظة لا بد أن يفرح بها ولا بُد للفم الصامت أن يحكي ويعبر ويقول، حتى لو كان القلب متبول... كانت تجلس في زاوية من زوايا غرفتها الصغيرة تثني قدماها وتضع رأسها على ركبتيها مطبقة جفونها تنتظر كوكب الأحلام... ذلك العالم الذي سمعت عنه الكثير وكانت تنتظره بفارغ الصبر... حيث العالم المليء بالفرح، المشبع بالأمل، والعدل... في ذلك العالم يحترمها الناس ويتعاونون معها، يستمعون لكلامها... العالم الذي تكون فيه إنسانه بكل معنى الكلمة؛ تُبدي رأيها وتبوح بما في داخلها دون أن يعترضها احد بالضرب والتوبيخ... العالم الذي تستطيع فيه أن تعزف على آلة الكمان التي لطالما حلمت بأن تلمسها.. في ذلك العالم ستجد ألوانا زاهية تلون بها لوحتها المرسومة على جدار غرفتها المتشقق... عالم تجرب فيه أن تختار بنفسها لنفسها ما تريد لا بالإكراه وفرض الرأي... لقد انتظرت هذا العالم بتعب شديد، وبحزن يخنقها ويكاد يقتلها... فتطير بالآمال وتدخل في الأحلام. تحلم بالشمس والسماء، بالبحر، بالأزهار واللحاق بالفراشات... كانت أحلامها الملونة تختلف عن حياتها الباهتة وزوايا بيتها المعتمة وقدور المطبخ الصدئة... وما أن تنساب في أحلامها الجميلة حتى تخترق الأم بصوتها المُدوي غلاف الحلم الجميل: "ماذا تفعلين؟ بعد قليل سيأتي إخوتك فانهضي ايتها الكسولة وأنهي الطبخ والعجن والخبز وإلا ستلاقي صراخا شديدا منهم إن لم يجدوا الطعام"! انسحبت من حلمها المُلون الجميل وهي تُحدث في نفسها: "ليته كان حقيقة". هكذا قالت صاحبة الرموش الطويلة ودموع الحسرة تنهمر من عينيها من قسوة هذا الواقع الظالم! مسحت دموعها بأناملها الرفيعة ذات الأظافر الوردية ونهضت بكل إصرار وأمل بمجتمع يسوده العدل...
